
لا يوجد مدير يرغب أن يرى موظفيه يُنهكون، خصوصا في المهن التي تنطوي على ضغط شديد، مع ذلك، هذا ما يحدث بالضبط بشكل متكرر. في الحقيقة، هذا ما يحدث بشكل متكرر لدرجة أنه في مايو 2019 أعلن “التصنيف الدولي للأمراض” (ICD-11) أن الإنهاك قد يصنف ويندرج تحت “المشاكل المصاحبة للوظيفة أو البطالة.” أي بمعنى آخر، أنه تم الآن الاعتراف رسميا بأن الأنهاك كظاهرة مرتبطة بالمهنة.
لكن، ما هو الإنهاك فعل؟ ما هي معرفتك الحقيقية حول أسبابه؟ وهل لديك المعرفة بأفضل الطرق لمساعدة موظفيك في تجنب الإنهاك؟
ما هو الإنهاك؟
يحدث الإنهاك مع مرور الوقت ويشمل الإستنفاد التدريجي للموارد اللزمة للعمل في ثلث جوانب رئيسية:
- الإنهاك الجسدي والعاطفي
- تبدد الشخصية (مصطلح منمق يعني استنفاد قدرتنا على الشعور بالتعاطف، والاهتمام، والرحمة)
- تراجع الشعور بالإنجاز والهدف
ما الذي يسبب الإنهاك؟
إذا، ما هي الكلمة أو العبارة الأولى التي تخطر ببالك عند طرح السؤال: مالذي يسبب الإنهاك؟
ربما، يكون الأمر متعلق بضغط العمل أو ساعات العمل الطويلة، أليس كذلك؟
لست مخطأ هنا. بالتأكيد، يمكن أن يكون ضغط العمل عامل مساهم. لكن، هل تعلم أن ازدحا م جدول العمل لوحده، في العادة، غير كاف ليسبب الإنهاك؟ في هذه الحالة، ما الذي يُسبب الإنهاك؟
كريستينا ماسلش هي أخصائية نفسية إجتماعية تصدرت قائمة الأبحاث حول الإنهاك المرتبط بالمهنة لعقود. إستطاعت خلل مسيرتها التعرف على ست مسائل فيها “عدم تطابق” بين الشخص والوظيفة التي من المرجح كثيراً أنها السبب الكامن وراء الإنهاك. فقط واحدة من تلك المسائل غير المتطابقة تتعلق ب”العمل الكثير”، وتعتقد ماسلش أن هذه المسألة في الغالب ليست العامل الأكثر أهمية، خصوصا إذا كانت الأمور تسير على ما يرام في المجالات الأخرى.
لذلك، ما هي هذه المسائل غير ا لمتطابقة الست التي تساهم في الإنهاك؟
- فقدان التحكم: كي يشعر موظفيك بالرضا والقناعة في وظائفهم، فهم بحاجة إلى الشعور بأنهم يتحكمون بمهامهم وبالنتائج. بمعنى، أنهم بحاجة إلى الشعور بأنه تم منحهم المستوى الملئم من المسئولية، وأن لديهم كلمة في إتخاذ القرارات، وأن لديهم الوصول إلى الموارد التي يحتاجونها للقيام بوظائفهم بشكل جيد. كما شرحت ماسلش، إذا أفتقروا لهذه الأشياء فإنهم على الأرجح سيبدئون بالشعور بأن “الظروف أو أشخاص نافذين في إطار المنظمة تقف عائق أمامهم “.
- المكافأة غير كافية: إذا لم تكن المكافئات الجوهرية وغير الجوهرية لأعمالهم بقدر الجهد والوقت الذي بذله موظفيك، فإنهم على الأرجح سيشعرون بأن ذلك الإستثمار في العمل لا يتاسب مع المكافأة التي يحصلون عليها. ولا تنسى بأنه يوجد ثمة “مكافآت” أخرى تهم الموظف أكثر من المرتب. ففي جوهر المسألة، قد تكون المكافآت في مكان العمل بمثابة أي شيء لجعل ذلك العمل مُر ض . وبالتأكيد، يمكن أن تكون المكافآت مالية، ولكن يمكنها أن تكون اجتماعية أيضا (مثل: التقدير)، متعلقة بالأشياء التي يثمنها موظفيك كثيراً (مثل: المرونة)، ويعتبرونها جوهرية (الشعور بأنهم يقومون بعمل جيد وأنهم يؤدون عمل قيم).
- غياب المجتمع: يعتبر وجود مجتمع صحي في العمل يتميز بعمل الفريق الجيد، ومستويات منخفضة من الصراع، والتفاعلت الإيجابية حائل كبير اُ أمام الإجهاد. فهو يخلق علقات اجتماعية إيجابية بين الأفراد (مثل: المديح والفكاهة)، والشعور بتوفر المساعدة، مما يساعد الموظفين في الشعور بالإنتماء ل”فريق” يتشارك في الشعور بالقيم ذاتها.
- غياب الإنصاف: عندما يشعر الموظفين بأنهم لا يُعاملون بإنصاف، غالبا ما يؤدي إلى شعورهم بعدم الإحترام وأنه لا حول لهم ولا قوة. تشمل المواقف، التي يشيع بأنها تجعل الموظفين يشعرون بمعاملتهم بغير إنصاف، عدم المساواة في عبء العمل أو المرتب، والتعامل غير اللئق في التقييمات أو الترقيات، والممارسات الضعيفة في حل الصراع. من المثير للإهتمام أن الموظفين عموما يهتمون بالشعور بأن مدراءهم يعملون كل ما بوسعهم لتوزيع عبء العمل بإنصاف وعدل أكثر مما إذا كان كل قرار على حده أتى بنتائج منصفة. أي أن محاولة الإنصاف)وأن يُنظر إليك بأنك تحاول) له الأثر الكبير في نفوس الموظفين.
- الصراع في القيم: يكون الموظفين في خطر عدم التطابق هنا عندما لا تنسجم قيمهم وأهدافهم الشخصية مع الخاصة بالمنظمات. المساهمة في وضع هدف شخصي ذو معنى يعدُ مصدرا فعالا جداً للتحفيز، وعندما ينعدم ذلك، تتلشى الطاقة المصاحبة له.
- العمل المفرط: وأخيرا، نأتي إلى العامل الأكثر شيوعا في ارتباطه بالإنهاك إنه عبء العمل غير المستدام. عندما -يكون لدينا عمل يتناسب مع قدراتنا فإننا نستطيع القيام به بكفاءة، ويتيح لنا فرص للراحة، وقضاء وقت مع العائلة، والتطوير المهني أو متابعة مصالح أخرى. ولكن، عندما يزداد عبء العمل، تنعدم هذه الفرص التي تمكننا من استعادة التوازن. وفي حال يتجاوز حجم العمل الوقت والموارد المتوفرة لديك، أو عندما تكون الوظيفة صعبة جداً مقارنة بمواردك أو قدراتك الحالية، فإن العامل الرئيسي هنا هو هل تعتبر هذه الحالة مزمنة؟ ذلك لأن مواعيد الإنجاز الضيقة والعرضية والعمل الزائد عموما لا تؤدي إلى الإنهاك إذا كان عبء العمل مقدور عليه بشكل عام.
المساعدة في تجنب الإنهاك
إن النظر إلى أسباب الإنهاك الستة التي استعرضناها، نستطيع أن نستنتج أن الموظفين لديهم قدرة محدودة في التعامل مع الكثير من المسائل النظامية هذه. مع ذلك، يمتلك المدراء سلطات أكثر للتأثير على هذه المجالات. وعلى هذا النحو، يتحمل المدراء والمنظمات بعض المسئولية للعمل على مساعدة الموظفين في تجنب الإنهاك.
لكن كيف؟ من أين نبدأ ؟
يمكن البدء باعتبار أن الإنهاك ليس ببساطة التعب. في العادة المسألة متعددة الوجوه تحتاج إلى حل متعدد الوجوه. والوقاية خير من العلج. لذلك، فكر في كل أوجه عدم التطابق الستة فيما يتعلق بأعضاء فريقك الشخصي، واسأل نفسك أين هي أوجه عدم التطابق التي قد يتعرض لها عضو معين من موظفيك وما الذي يمكن أن تفعله إزاء ذلك.
وفيما يتعلق بالفريق ككل، خذ في الإعتبار هذه النقاط الخمس في مجال التأثير الإستراتيجي ، وجاوب على الأسئلة التالية:
- كيف أستطيع المساعدة في حماية موظفيي من الشعور بفرط العمل؟ الكثير منا يعمل في صناعات يسود فيها العمل المفرط. الحاجة لا حدود لها والموارد غالبا محدودة بشكل محبط. إنه واق ع يتسم بخلل هيكلي و من غير المرجح أن يتغير في المستقبل القريب. وعلى هذا النحو، يجب عليك إيجاد طرق للمساعدة في حماية موظفيك من الشعور بالعمل المفرط في إطار ذلك السياق. كيف يمكنك مساعدتهم في التخطيط ووضع الأولويات لمشاريعهم ووضع الحدود المعقولة حول عملهم؟ كيف يمكنك تشجيعهم على التوقف عند نقطة معينة فيما يتملكهم شعور “جيد” حيال ذلك؟ ( وبالمناسبة، تشير الأبحاث إلى أن 50 ساعة في الأسبوع هي الحد الأعلى للعمل المثمر، والكثير منا قادرون على القيام بعمل إضافي). كيف تساعد على تشجيعهم على وضع حدود حول عملهم وأن يحتفظوا ببعض الوقت والطاقة لعائلتهم والمصالح المهمة الأخرى؟ كذلك (باعتبار أن عدم اليقين هو أحد أقوى مسببات الإجهاد( كيف يمكنك جعل متطلبات العمل أكثر قابلية للتنبؤ بالنسبة لهم وضمان عدم شعورهم بأنهم تحت الطلب على مدار الساعة (24 / 7)؟ قد يبدو الأمر مخالف للعقل عند التشجيع الصريح لموظفيك على العمل أقل، ولكن على الأرجح هذا أحد أقوى الأشياء التي تستطيع القيام به لجعلهم يشعرون بالدعم والتقدير، ويجنبهم الإنهاك.
- كيف يمكنني زيادة مكا فآت الموظفين؟ تذكر، هذا لا يعني إعطاء زيادة لكل شخص. الثناء على موظفيك (خصوصا عندما تقوم بذلك أمام نظرائهم) يشجعهم كثيرا ويعتبر مكافأة كبيرة لهم. كيف تستطيع مساعدة موظفيك في الشعور بالتقدير أكثر؟
- كيف أستطيع أن أذكر الموظفين بأهمية عملهم؟ كلما ارتفع منصب الأشخاص داخل المنظمة، كلما ابتعدوا عن مهمة المنظمة وما يتم إنجازه. إبحث عن طرق لتذكير موظفيك بالصورة الأكبر والهدف من كل ذلك.
- كيف أستطيع أن أبذل ما بوسعي لأكون عادلاً، والتأكد من أنك تقوم بإيصال رسالة مفادها بأن ذلك ما تفعله؟ المظهر مهم بهذا الخصوص. حاول ما بوسعك بأن تكون عادلا، وكن شفافا حول رغبتك في المحافظة على مكان عمل عادل ومنصف.
- هل أستطيع أن أقوم بأي شيء إضافي لتشجيع وبناء مجتمع في مكان العمل؟ نتائج البحوث واضحة، امتلك أصدقاء وأصحاب في العمل أمر مهم، لذلك اعم ل ما تستطيع لبناء العلقات المجتمعية في إطار فريقك؟ إسأل موظفيك عن حالهم، وشاركهم بعض المعلومات حول حياتك الخاصة خارج العمل .
